الرئيسية « الصادرات والأسواق « الربع الثاني يقود نمو صادرات الأغذية المصرية.. قراءة في زخم ما بعد مارس
الصادرات والأسواق

الربع الثاني يقود نمو صادرات الأغذية المصرية.. قراءة في زخم ما بعد مارس

كشف الأداء الربع سنوي لصادرات الأغذية المصرية خلال النصف الأول من عام 2026 عن نقطة تحول مهمة في مسار القطاع، بعدما أصبح الربع الثاني المحرك الأكبر للنمو، مسجلًا 2.007 مليار دولار، مقابل 1.773 مليار دولار خلال الربع المناظر من عام 2025، بنمو 13.2% وزيادة قدرها 234 مليون دولار.

هذه القفزة منحت الربع الثاني وزنًا واضحًا داخل نتائج النصف الأول، إذ استحوذ وحده على نحو 53% من إجمالي صادرات الفترة من يناير إلى يونيو، كما ساهم بنحو 66% من إجمالي الزيادة المحققة خلال الأشهر الستة الأولى، مقابل 34% فقط للربع الأول.

وتبدو أهمية هذا التحول عند مقارنة الربعين؛ فالربع الأول سجل صادرات بقيمة 1.764 مليار دولار، بنمو 7.5% وزيادة 123 مليون دولار، بينما جاء الربع الثاني أعلى من حيث القيمة ومعدل النمو وحجم الزيادة، بما يعكس انتقال الأداء من نمو مستقر في بداية العام إلى تسارع أقوى بعد مارس.

هذا التسارع لا يمكن فصله عن اتساع قاعدة الأسواق التي حققت نموًا في وارداتها من المنتجات الغذائية المصرية، حيث سجلت 108 أسواق زيادات بإجمالي 547 مليون دولار، وهي إشارة إلى أن الربع الثاني استفاد من حركة طلب خارجية أوسع، وليس فقط من تحسن مؤقت في سوق محددة أو منتج منفرد.

القراءة الأهم أن القطاع دخل منتصف العام بزخم تصديري أعلى من بدايته، وهو ما يجعل نتائج الربع الثاني مؤشرًا عمليًا على اتجاه الطلب في النصف الثاني من 2026، خاصة إذا استمرت الأسواق الكبرى والسلع المحركة للنمو في الحفاظ على نفس الوتيرة.

الربع الثاني يكشف أيضًا أن النمو لم يعد موزعًا بالتساوي بين الفترات، بل بدأ يميل إلى فترات أكثر كثافة في التنفيذ والتوريد، وهي نقطة تفرض قراءة مختلفة لدورات التعاقد والإنتاج والشحن، خصوصًا في المنتجات المصنعة والمجمدة والزيوت والمكونات الغذائية.

وعند النظر إلى خريطة الأسواق، يظهر أن تسارع الربع الثاني تزامن مع أداء قوي في عدد من الوجهات الرئيسية، وعلى رأسها إسبانيا والسعودية وفلسطين والأردن والصين، وهي أسواق جاءت ضمن الأكثر مساهمة في نمو الصادرات خلال النصف الأول.

صعود إسبانيا بقيمة زيادة بلغت 72 مليون دولار يمثل نموذجًا واضحًا لسوق قاد النمو عبر مزيج من المنتجات، شمل زيوت الطعام والزيتون المخلل والمصنع وأغذية الحيوانات المحضرة، ما يشير إلى أن الطلب الأوروبي خلال الفترة لم يكن محصورًا في سلعة واحدة، بل امتد إلى منتجات ذات طبيعة تصنيعية وقيمة مضافة.

وفي السعودية، جاءت الزيادة البالغة 47 مليون دولار مدفوعة بقفزة في صادرات الشيكولاتة، إلى جانب مركزات صناعة المشروبات الغازية والألبان ومنتجاتها، وهو ما يعكس تحركًا مختلفًا في الطلب الخليجي نحو منتجات غذائية مصنعة، وليس فقط سلعًا تقليدية.

أما الصين، فقد سجلت زيادة قدرها 30 مليون دولار، مدفوعة بالارتفاع الكبير في صادرات الفراولة المجمدة، وهو ما يربط بين تسارع الأداء في النصف الأول وبين قدرة بعض المنتجات المصرية على تحقيق اختراقات واضحة داخل أسواق بعيدة وعالية الكثافة الاستهلاكية.

وتوضح بيانات السلع أن الربع الثاني استفاد من وجود منتجات قادرة على صناعة نمو كبير في القيمة، وفي مقدمتها الشيكولاتة التي أضافت 127 مليون دولار إلى صادرات القطاع خلال النصف الأول، ثم زيوت الطعام بزيادة 48 مليون دولار، والفراولة المجمدة بزيادة 35 مليون دولار، والشحوم والدهون والملح بزيادة 34 مليون دولار لكل منهما.

هذه السلع الخمس وحدها فسرت نحو 55% من إجمالي نمو الصادرات السلعية، وهو ما يعطي بعدًا مهمًا لتسارع الربع الثاني، لأن الزيادة لم تكن نتيجة ارتفاع عام في كل البنود، بل ارتبطت بمنتجات محددة استطاعت أن تجمع بين الطلب الخارجي والنمو السريع والقيمة التصديرية المؤثرة.

غير أن قوة الربع الثاني لا تلغي وجود تباين داخل الخريطة التصديرية، إذ سجلت بعض الأسواق المهمة تراجعًا خلال النصف الأول، من بينها ألمانيا ولبنان والمغرب والإمارات والبرازيل، وهو ما يعني أن التسارع العام يخفي داخله حركة إعادة توزيع في الطلب بين أسواق صاعدة وأخرى تواجه ضغوطًا أو تغيرات في المنافسة والاستهلاك.

ومن هنا، فإن الربع الثاني لا يجب قراءته كرقم قوي فقط، بل كإشارة إلى أن صادرات الصناعات الغذائية المصرية تتحرك داخل خريطة أكثر ديناميكية، حيث تصعد أسواق بسرعة، وتتباطأ أخرى، وتظهر منتجات جديدة كمحركات رئيسية للنمو، بينما تستمر منتجات تقليدية في الحفاظ على مراكزها.

الأداء القوي في الربع الثاني يرفع سقف التوقعات للنصف الثاني من العام، لكنه يضع في الوقت نفسه اختبارًا واضحًا أمام القطاع: هل يمكن الحفاظ على معدل نمو قريب من 13.2%، أم أن جزءًا من التسارع كان مرتبطًا بظروف طلب أو شحن أو تعاقدات مركزة في فترة محددة؟

وتبقى دلالة الربع الثاني الأهم أنه حوّل نتائج النصف الأول من نمو جيد إلى رقم تاريخي، فلو استمر الأداء عند وتيرة الربع الأول فقط، لما ظهر نفس الزخم في التقرير، لكن القفزة التي حدثت بعد مارس منحت صادرات الصناعات الغذائية المصرية دفعة واضحة وأكدت أن القطاع لا يزال يمتلك مساحة نمو قابلة للتوسع.

في المحصلة، صنع الربع الثاني الفارق في أداء صادرات الصناعات الغذائية المصرية خلال 2026، ليس فقط لأنه تجاوز حاجز ملياري دولار في ثلاثة أشهر، بل لأنه كشف عن تسارع في الطلب، وتحول في المنتجات المحركة للنمو، واتساع في الأسواق الصاعدة، وهي عناصر تجعل النصف الثاني من العام اختبارًا حاسمًا لقدرة القطاع على تثبيت المكاسب وتحويل الزخم المؤقت إلى مسار تصديري مستدام.