المجلس التصديري للصناعات الغذائية يناقش دور التحليل الذكي للبيانات في دعم القرار داخل الشركات

0

نظم المجلس التصديري للصناعات الغذائية ندوة متخصصة حول «التحليل الذكي للبيانات ودوره في اتخاذ القرار»، في إطار سلسلة الندوات التوعوية والتدريبية التي ينظمها المجلس لدعم قدرات الشركات العاملة في قطاع الصناعات الغذائية، وتعزيز جاهزيتها للتعامل مع المتغيرات المتسارعة في الأسواق المحلية والخارجية، خاصة في ظل تزايد الاعتماد على البيانات كأداة أساسية لفهم السوق، وقياس الأداء، وتوقع المخاطر، وبناء قرارات تجارية وإدارية أكثر دقة.

وأكدت الندوة أن البيانات لم تعد مجرد أرقام تسجلها الشركات في ملفات أو تقارير داخلية، لكنها أصبحت أصلًا استراتيجيًا يمكن أن يحدد قدرة الشركة على المنافسة، ويؤثر في قراراتها المتعلقة بالإنتاج، والتسويق، والتصدير، واختيار الموردين، وإدارة المخزون، وتحليل العملاء، وفتح الأسواق الجديدة.

وأكد الدكتور محمد السيد، المتخصص في مجال الإحصاء وتحليل البيانات، على أن التحليل الذكي للبيانات لم يعد رفاهية أو أداة إضافية داخل الشركات، بل أصبح ضرورة تنافسية حقيقية، خاصة مع تزايد الضغوط على الأسواق، وارتفاع المنافسة، وتعقد سلاسل الإمداد، وتغير أنماط الطلب، وحاجة الشركات إلى قرارات سريعة ودقيقة.

وأكد أن الشركة التي تستطيع فهم بياناتها وتحويلها إلى معرفة قابلة للتنفيذ ستكون أكثر قدرة على إدارة المخاطر، وتحسين الأداء، وتقليل التكلفة، واقتناص الفرص، ودخول أسواق جديدة، مشددًا على أن مستقبل الإدارة داخل الشركات لن يكون قائمًا فقط على الخبرة الشخصية رغم أهميتها، بل على الجمع بين الخبرة والبيانات والتحليل، بحيث تتحول الأرقام المتفرقة إلى معلومات، وتتحول المعلومات إلى معرفة، وتتحول المعرفة إلى قرار قادر على حماية الشركة وتعظيم فرصها ورفع قدرتها على المنافسة محليًا ودوليًا.

وأضاف محمد السيد أن السؤال الأهم الذي يجب أن تبدأ منه الشركات هو: كم قرارًا تم اتخاذه بناءً على الخبرة الشخصية فقط، أو بناءً على بيانات كانت موجودة أمام الإدارة، بينما كانت هذه البيانات نفسها قادرة، إذا تم تحليلها بصورة صحيحة، على تقديم إجابات أدق ورؤية أعمق؟ موضحًا أن هذه النقطة تمثل جوهر التحول في إدارة الأعمال، لأن المنافسة اليوم لم تعد قائمة فقط على الخبرة الشخصية أو سرعة الحركة، بل أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على قراءة البيانات، وفهم ما وراء الأرقام، وتحويل المعلومات إلى قرارات في التوقيت المناسب.

وأشار إلى أن البيانات لا يجب أن تعامل باعتبارها أرقامًا جامدة أو جداول محفوظة داخل الشركة، بل باعتبارها أداة استراتيجية تساعد في فهم السوق، وتحليل المخاطر، وتحسين القرارات، ومراجعة عمليات التجارة والاستيراد والتصدير، وإدارة الأعمال في مختلف الإدارات.

وأوضح أن الشركات تعمل اليوم داخل بيئة سريعة التغير، تتأثر بأسعار الشحن، وتقلبات الطلب، وتغير الأسواق، وتحديات سلاسل الإمداد، والإجراءات الجمركية، والمنافسة الإقليمية والدولية، وهي عوامل تجعل أي قرار خاطئ في توقيت الشراء أو اختيار المورد أو تحديد السوق المستهدف سببًا مباشرًا في خسائر كبيرة للشركات، بينما يمثل القرار المبني على تحليل صحيح للبيانات فرصة حقيقية لزيادة الربح، وتقليل المخاطر، وفتح أسواق جديدة.

وأوضح محمد السيد أن أهمية التحليل الذكي للبيانات لا تقف عند عرض البيانات التاريخية أو تسجيل ما حدث في الماضي، لكنها تمتد إلى فهم أسباب ما حدث، والتنبؤ بما يمكن أن يحدث في المستقبل، واختيار أفضل البدائل المتاحة أمام الإدارة، بما يجعل القرار مبنيًا على أدلة ومؤشرات واحتمالات مدروسة، بدلًا من الاعتماد على التخمين أو الحدس أو الانطباع الشخصي.

وشدد على أن العالم تغير، وأن أدوات المنافسة تغيرت معه، لذلك تحتاج الشركات إلى الانتقال من الإدارة القائمة على الانطباع إلى الإدارة القائمة على الدليل والتحليل.

ولفت محمد السيد إلى أن تحليل البيانات مجال واسع لا يمكن اختصاره في لقاء واحد، لكنه يبدأ من فهم أهمية البيانات في الحياة اليومية والعملية، وكيفية استخدامها في صناعة قرارات سليمة، ومعرفة مدى تأثيرها، وكثافة البيانات الموجودة حول العالم، وكيفية استغلالها بالشكل الأمثل.

وأكد أن وفرة البيانات لا تعني بالضرورة سهولة استخدامها، لأن البيانات الكثيرة قد تتحول إلى عبء إذا لم تكن منظمة أو جيدة أو قابلة للمعالجة، لذلك تحتاج الشركات إلى تحسين جودة البيانات، وتنظيم مصادرها، وربطها بسياق العمل.

وقال إن تحسين جودة البيانات يحتاج إلى تقاطع عدة مجالات، في مقدمتها علوم الحاسب، والرياضيات، والإحصاء، ومعرفة مجال التطبيق العملي داخل الشركة، لأن محلل البيانات لا يستطيع أن يصل إلى نتائج دقيقة إذا تعامل مع الأرقام بعيدًا عن طبيعة النشاط وقواعد السوق وسلوك العملاء وآليات الإنتاج أو التصدير.

وبيّن أن تحليل البيانات يساعد الشركات على إعداد التنبؤات، ودراسة العلاقات بين المتغيرات، وفهم أسباب الظواهر في مجالات التجارة والأعمال والإنتاج والصناعة والاستيراد والتصدير، كما يمكن استخدامه في مجالات أخرى واسعة مثل إدارة الحشود والمواسم الكبرى، من خلال تحليل حركة الأفراد والازدحام والطرق ودرجات الحرارة والرطوبة لتقليل المخاطر وتحسين الإدارة.

وأوضح محمد السيد أن مفهوم تحليل البيانات يتكون من شقين أساسيين هما البيانات والتحليل؛ فالبيانات هي مجموعة من القيم، سواء كانت كمية أو كيفية، يتم تجميعها من عنصر واحد أو أكثر، وقد تأتي في صور متعددة مثل الأرقام، والقياسات، والملاحظات، والرسوم البيانية، والصور، والمؤشرات المختلفة. ووفقًا للعرض التقديمي للندوة، فإن البيانات يمكن أن تظهر في صورة كميات، أو ملاحظات، أو قياسات، أو رسوم، أو أرقام، أو معلومات أولية تحتاج إلى تنظيم وتفسير.

وأشار إلى أن البيانات وحدها لا تمنح قيمة حقيقية ما لم تتحول إلى معلومات مفهومة، موضحًا أن الرقم «65» مثلًا لا يحمل معنى واضحًا إذا ورد منفردًا، لكن عندما يقال إن عمر شخص ما 65 عامًا، يتحول الرقم إلى معلومة يمكن تفسيرها والاستفادة منها، وقد تقود إلى معرفة تتعلق بخبرة هذا الشخص أو اقترابه من سن التقاعد أو طبيعة القرارات التي يمكن أن ترتبط بهذه المعلومة، ومن هنا تبدأ رحلة البيانات من رقم أو قيمة خام إلى معلومة، ثم إلى معرفة، ثم إلى حكمة تساعد متخذ القرار على اختيار البديل المناسب.

وأضاف أن هذه الرحلة تعكس الفرق بين وجود بيانات كثيرة وبين القدرة على استخدامها، فالبيانات الخام لا تكفي، والمعلومة وحدها لا تكفي، لكن القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول المعلومات إلى معرفة قابلة للاستخدام، ثم إلى حكمة إدارية تسمح لصاحب القرار بالتصرف في الوقت المناسب، ولهذا فإن التحليل لا يعني فقط إعداد جدول أو رسم بياني، بل يعني تحويل المادة الخام إلى فهم عملي قابل للتنفيذ.

وتناول محمد السيد مصادر البيانات، موضحًا أن هناك مصدرين أساسيين، الأول هو المصادر الأولية، وهي البيانات التي تجمعها الشركة أو محلل البيانات مباشرة من داخل المؤسسة، مثل الملاحظات، والتقارير الداخلية، والنشرات الدورية، وبيانات المنتجات، وسجلات البيع، وحركة المخزون، وبيانات العملاء، والثاني هو المصادر الثانوية، وهي البيانات التي يتم الحصول عليها من خارج الشركة، مثل تقارير الأسواق، والدراسات المنشورة، وبيانات البورصات، ومعلومات الإنترنت، والمؤشرات الاقتصادية والتجارية التي تساعد على فهم البيئة الخارجية، موضحاً أن مصادر البيانات تنقسم إلى مصادر أولية ومصادر ثانوية، وهو تقسيم أساسي في بناء أي عملية تحليل سليمة.

وأشار إلى أن البيانات في صورتها الأولى تمثل حقائق خامًا، بينما التحليل هو العملية التي تسمح بفهم هذه الحقائق من خلال دراسة متغير معين وعلاقته بالمتغيرات الأخرى، وأن التحليل في جوهره يعني تفكيك الشيء إلى أجزاء، ودراسة كل جزء على حدة، ثم إعادة تركيب الصورة مرة أخرى بصورة أكثر وضوحًا، بحيث يصبح المحلل قادرًا على فهمها وتفسيرها والسيطرة عليها.

وأكد محمد السيد أن تحليل البيانات ليس مجالًا جديدًا بالكامل، فقد مارسه الإحصائيون منذ قرون، لكن الاهتمام الكبير به خلال السنوات الأخيرة يرجع إلى التضخم الهائل في حجم البيانات، إذ أصبح العالم ينتج كميات ضخمة من البيانات كل ثانية عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي وأنظمة الشركات والتطبيقات الرقمية.

وأشار إلى أن العقل البشري لم يعد قادرًا وحده على التعامل مع هذا الحجم الكبير من البيانات أو تحليلها دون أدوات وبرامج متخصصة، لذلك ظهرت الحاجة إلى برامج التحليل والعرض البصري.

وقال إن محلل البيانات يتعامل مع الموضوع المراد دراسته باعتباره كيانًا يحتاج إلى تفكيك، فيقوم بتقسيمه إلى أجزاء، ثم يحلل كل جزء منفردًا، ثم يعيد بناء الصورة الكاملة مرة أخرى، لكن بصورة أكثر فهمًا وتنظيمًا، وهو ما يسمح بتحويل البيانات المتفرقة إلى معنى واضح يمكن الاعتماد عليه في القرار.

وتطرق محمد السيد إلى الفرق بين ثلاثة مفاهيم رئيسية في عملية التحليل، وهي التحليلات المتقدمة، والتحليل، والرؤى المستخلصة موضحاً أن التحليلات المتقدمة تعني استخدام الأدوات الإحصائية والرياضية وبرامج الحاسب لتحليل البيانات بهدف التنبؤ بالمستقبل أو تقديم توصيات تساعد على اتخاذ القرار، وهي تجيب عن أسئلة من نوع: ماذا سيحدث؟ وما الذي يجب فعله؟ ومن أمثلتها استخدام نموذج للتنبؤ بالطلب على منتج معين قبل طرحه أو قبل اتخاذ قرارات إنتاجية وتجارية مرتبطة به.

أما التحليل، فأوضح محمد السيد أنه عملية فحص البيانات وتفكيكها لفهمها، ومعرفة خصائصها وصيغتها وأنماطها، واستخلاص نتائج محددة منها، ويتعامل التحليل غالبًا مع الماضي والحاضر، ويجيب عن سؤالين أساسيين: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ فإذا انخفضت المبيعات في شهر معين، فإن التحليل لا يكتفي بتسجيل الانخفاض، بل يبحث في أسبابه، وهل يرتبط بالسعر، أو التوزيع، أو المنافسة، أو الموسم، أو ضعف الحملة التسويقية، أو تغير سلوك العملاء.

أما الرؤى المستخلصة، فهي في رأيه المخرجات التي تنتج عن عملية التحليل، وتمنح الشركة معرفة تساعدها على اتخاذ قرارات سليمة في الوقت المناسب، فالقيمة النهائية للتحليل لا تظهر في الجداول أو الرسوم فقط، بل في القدرة على تحويل النتائج إلى قرار عملي قابل للتنفيذ.

وأشار محمد السيد إلى أن علوم تحليل البيانات تساعد على استخراج المعرفة من البيانات المختلفة، وتعتمد على مبادئ وتقنيات متعددة، وتسمح بفهم الظواهر من خلال التحليل الآلي للبيانات، فإن هذا المجال يتقاطع مع علوم الحاسب، والرياضيات والإحصاء، والتعلم الآلي، وعلم البيانات، وتطوير البرمجيات، ومعرفة مجال التطبيق، والبحث التقليدي، وهو ما يعني أن تحليل البيانات ليس مهارة واحدة منفصلة، بل منظومة تجمع بين المعرفة التقنية والإحصائية والعملية.

وأكد أن معرفة مجال التطبيق عنصر شديد الأهمية في جودة التحليل، فمحلل البيانات الذي لا يفهم طبيعة المجال الذي يحلل بياناته لن يستطيع الوصول إلى نتائج دقيقة، حتى لو امتلك أدوات تقنية جيدة، وضرب مثالًا بكرة القدم، موضحًا أن الشخص الذي لا يفهم قواعد اللعبة لن يستطيع تحليل بيانات مباراة بصورة صحيحة، لأن الأرقام وحدها لا تشرح السياق، وبالمثل، إذا تم تكليف شخص لا يفهم المبيعات أو التصدير بتحليل بيانات تجارية، فلن تكون نتائجه بالقوة نفسها التي يمكن أن يقدمها شخص من داخل المجال، ولذلك شدد على أهمية تدريب كوادر من داخل الشركات على تحليل البيانات، لأن هؤلاء يكونون أكثر معرفة بطبيعة العمل وقواعده وتفاصيله ومشكلاته اليومية، وهو ما يجعل تحليلهم أكثر ارتباطًا بالواقع وأكثر قدرة على خدمة القرار.

وأوضح محمد السيد الأنواع الرئيسية لتحليل البيانات، وهى تشمل أربعة أنواع رئيسية، هي التحليل الوصفي، والتحليل التشخيصي، والتحليل التنبؤي، والتحليل التوجيهي، مضيفاً أن التحليل الوصفي يجيب على سؤال: ماذا حدث؟ حيث يصف البيانات القائمة من خلال المتوسطات والقيم ومقاييس النزعة المركزية ومقاييس التشتت والانحرافات عن نقطة الوسط، ويستخدم هذا النوع في فهم الأداء السابق، مثل متوسط المبيعات، أو معدل النمو، أو حجم الإنتاج، أو تطور الصادرات خلال فترة زمنية معينة.

وأضاف أن التحليل التشخيصي يجيب على سؤال: لماذا حدث ذلك؟ فهو لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يحاول تفسير أسبابها، فإذا تراجعت مبيعات منتج ما، يبحث التحليل التشخيصي في الأسباب المحتملة، مثل ارتفاع السعر، أو ضعف التوزيع، أو تغير الطلب، أو دخول منافس جديد، أو وجود مشكلة في الجودة، أو تأثير ظروف خارجية على السوق.

أما التحليل التنبؤي، فيحاول الإجابة على سؤال: ماذا يمكن أن يحدث؟ ويستخدم البيانات المتاحة للتنبؤ بالمستقبل، مثل توقع الطلب على منتج معين، أو توقع حركة المبيعات، أو تقدير احتياجات المخزون، أو توقع مواعيد وصول الشحنات، أو قراءة اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة.

أما التحليل التوجيهي، فيجيب على سؤال: كيف يمكن أن نجعل النتيجة المطلوبة تحدث؟ فهو لا يكتفي بالتنبؤ، بل يساعد الإدارة على اختيار الإجراء الأنسب لتحقيق هدف معين، مثل إنجاح طرح منتج جديد، أو تحسين هامش الربح، أو تقليل الهدر، أو خفض تكلفة الشحن، أو رفع كفاءة الإنتاج.

وأوضح أن هذه الأنواع الأربعة ترتبط بأسئلة محورية هي: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وماذا يمكن أن يحدث؟ وكيف يمكن تحقيق النتيجة المطلوبة؟

وتوقف محمد السيد عند خطوات عملية تحليل البيانات، مؤكدًا أن هذه العملية لا تبدأ بالبرامج أو الرسوم، بل تبدأ بالسؤال الصحيح. فالخطوة الأولى هي طرح الأسئلة وتحديد المشكلة أو الحالة المراد دراستها، لأن محلل البيانات يجب أن يكون فضوليًا، يسأل كثيرًا ويريد معرفة كل تفصيلة قد تؤثر في النتيجة. وقد تكون البداية سؤالًا واضحًا، أو مشكلة تبحث الشركة عن حل لها، أو حالة تريد الإدارة دراستها، مثل دراسة وضع السوق في ظل الأحداث والأزمات، أو تقييم المنافسين الجدد، أو قياس أثر الظروف المحيطة على حركة الطلب والتوريد.

وأوضح أن الخطوة التالية هي جمع البيانات من مصادرها المختلفة، سواء كانت مصادر أولية من داخل الشركة أو مصادر ثانوية من خارجها. وفي هذه المرحلة يمكن الاستعانة ببرامج قادرة على استدعاء البيانات من ملفات وجداول ومواقع وقواعد بيانات متعددة، بما يساعد على تجميع الصورة من أكثر من مصدر. وأشار إلى أن بعض برامج التحليل قادرة على استدعاء البيانات من ملفات نصية، ومواقع إلكترونية، وملفات جداول، وقواعد بيانات، بل ومن مجلد كامل يحتوي على عشرات الملفات، ثم تنظيمها وترتيبها بما يسمح بالعمل عليها.

ثم تأتي مرحلة تنظيف البيانات، وهي من أهم مراحل العمل وأكثرها استهلاكًا للوقت، بحسب محمد السيد، فالبيانات التي تأتي من مصادر مختلفة غالبًا ما تكون غير موحدة، وقد تحتوي على أخطاء، أو قيم مفقودة، أو تكرارات، أو تنسيقات مختلفة، أو أعمدة غير منظمة، أو تواريخ مكتوبة بطريقة خاطئة، أو أرقام مخزنة كنصوص، لذلك يحتاج محلل البيانات إلى ترتيب هذه البيانات وتصحيحها وتوحيدها قبل بدء التحليل الفعلي، مشيرًا إلى أن نحو 70% من مجهود محلل البيانات يذهب في هذه المرحلة حتى تصبح البيانات منتظمة وقابلة للاستخدام.

وأضاف أنه بعد تجهيز البيانات تأتي مرحلة اختيار طريقة التحليل المناسبة، حيث يحدد المحلل ما إذا كان الهدف هو وصف البيانات، أو التنبؤ بالمستقبل، أو تشخيص أسباب مشكلة معينة، أو تقديم توصيات عملية. واعتبر أن اختيار طريقة التحليل الصحيحة يمثل مهارة تختلف من محلل إلى آخر، لأنها تحدد قوة النتائج ودقتها، وبعد ذلك تأتي مرحلة استخلاص النتائج، وهي المرحلة التي تتحول فيها الأرقام والجداول إلى معانٍ واضحة، ثم مرحلة توصيل النتائج إلى الإدارة أو متخذ القرار من خلال عرض بصري واضح، ورسوم، ولوحات مؤشرات، وتفسيرات تساعد على فهم النتائج بسرعة.

واستعرض محمد السيد المهارات الأساسية التي يجب أن يمتلكها محلل البيانات، وفي مقدمتها المهارات الإحصائية، والمهارات المرتبطة باستخدام البرامج، ومهارات البرمجة، ومهارات العرض البصري للبيانات.

وأوضح أن محلل البيانات لا يشترط أن يكون عالمًا في الإحصاء، لكنه يحتاج إلى فهم الأساسيات التي تساعده على قراءة الأرقام بصورة صحيحة، مثل المتوسط، والوسيط، والمنوال، والانحراف، والتشتت، والتوزيع، والعلاقات بين المتغيرات.

وأكد أن المتوسط قد يكون مفيدًا في حالات كثيرة، لكنه قد يصبح مضللًا إذا كانت هناك قيمة شاذة تؤثر في الحساب، فإذا كانت مبيعات الشركة الشهرية تدور غالبًا بين 40 ألفًا و60 ألفًا، ثم حققت في شهر واحد صفقة ضخمة بقيمة 500 ألف، فإن المتوسط السنوي قد يعطي صورة غير دقيقة عن الأداء المعتاد، وفي هذه الحالة قد يكون استخدام الوسيط أو مؤشرات أخرى أكثر تعبيرًا عن الواقع، ولذلك فإن فهم المبادئ الإحصائية يمنع محلل البيانات من الوقوع في نتائج سطحية أو مضللة.

وأشار إلى أن مهارات استخدام البرامج تبدأ عادة من برامج الجداول التقليدية، باعتبارها الأكثر انتشارًا وسهولة في الاستخدام وتمثل مدخلًا لفهم كثير من المفاهيم الأساسية، ثم يمكن الانتقال إلى أدوات أكثر تقدمًا مثل «Power BI» و«Tableau»، وهي أدوات تساعد على بناء لوحات معلومات تفاعلية وتحليل كميات أكبر من البيانات. وفي المستويات الأكثر تقدمًا، يمكن استخدام لغات برمجة مثل «Python» و«R»، وهي لغات توفر مكتبات متخصصة في التحليل والنمذجة والتنبؤ.

وأكد محمد السيد أن برامج الجداول التقليدية مفيدة كبداية، لكنها لا تكفي دائمًا عندما تتعامل الشركة مع ملايين السجلات أو مصادر متعددة للبيانات، ولذلك تحتاج الشركات المتوسطة والكبيرة إلى أدوات أكثر قدرة على المعالجة، خاصة عندما ترغب في ربط البيانات من ملفات مختلفة، أو قواعد بيانات، أو مواقع إلكترونية، أو أنظمة داخلية.

كما أوضح أن فهم برامج الجداول بصورة جيدة يساعد على الانتقال إلى الأدوات الأكثر تقدمًا، لأن كثيرًا من المفاهيم الأساسية تتكرر في البرامج المختلفة.

وتناول محمد السيد أهمية العرض البصري للبيانات، موضحًا أن الرسم البياني ليس مجرد شكل جمالي، بل أداة لفهم الأنماط والعلاقات والتكرارات، فاختيار الرسم المناسب يساعد على فهم توزيع القيم، واكتشاف القيم الشاذة، وملاحظة المنتجات الراكدة، وقراءة العلاقة بين المتغيرات، وقد تكون العلاقة بين متغيرين طردية، حيث يزيد أحدهما مع زيادة الآخر، أو عكسية، حيث يقل أحدهما مع زيادة الآخر، أو قد لا توجد علاقة واضحة بينهما من الأساس، وضرب مثالًا بالعلاقة بين درجة حرارة التخزين وجودة المنتج، حيث يمكن أن تكون العلاقة عكسية، فكلما ارتفعت درجة الحرارة عن الحدود المناسبة، تراجعت جودة المنتج.

كما أشار إلى أن بعض العلاقات قد لا تكون خطية بالكامل، فقد تتحسن النتيجة إلى حد معين، ثم تبدأ في التدهور بعد تجاوز نقطة محددة، مثل حالة إعداد منتج يحتاج إلى درجة حرارة ووقت معينين، فإذا زادت الحرارة أو المدة عن المطلوب، فسدت النتيجة بدلًا من أن تتحسن.

وشدد على أن دور محلل البيانات لا يتوقف عند رسم العلاقة، بل يمتد إلى تفسيرها في ضوء المجال العملي، لأن الرسم قد يكشف اتجاهًا، لكن فهم هذا الاتجاه يحتاج إلى معرفة بالسوق أو الإنتاج أو الجودة أو التصدير أو سلوك العملاء.

واستعرض محمد السيد النموذج المعياري عبر الصناعات لاستخراج البيانات، وهو نموذج يستخدم في مشروعات تحليل البيانات بشكل منظم، ويبدأ بفهم الأعمال، ثم فهم البيانات، ثم إعداد البيانات، ثم بناء النموذج، ثم تقييمه، ثم تطبيقه داخل بيئة العمل، وقد ظهر هذا النموذج في العرض التقديمي من خلال مراحل فهم الأعمال، وفهم البيانات، وإعداد البيانات، والنمذجة، والتقييم، والنشر أو التطبيق.

وأوضح أن مرحلة فهم الأعمال تعني تحديد المشكلة أو الهدف التجاري بوضوح، فلا يمكن بناء تحليل ناجح دون فهم ما الذي تريد الشركة الوصول إليه، سواء كان الهدف تقليل التأخير، أو خفض التكلفة، أو تحسين المبيعات، أو تقليل فقد العملاء، أو رفع كفاءة المخزون، وبعد ذلك تأتي مرحلة فهم البيانات، وفيها يتم تحديد البيانات المطلوبة ومصادرها وطبيعتها ومدى جودتها، وما إذا كانت كافية للإجابة عن السؤال المطروح، ثم تأتي مرحلة إعداد البيانات، وتشمل التنظيف والتصحيح والتجميع والتوحيد وإزالة التكرار ومعالجة القيم المفقودة وتحويل البيانات إلى صورة جاهزة للتحليل، وبعد ذلك تأتي مرحلة بناء النموذج، وهي المرحلة التي يتم فيها استخدام طريقة تحليل أو نموذج إحصائي أو آلي للوصول إلى نتائج أو تنبؤات، ثم يتم تقييم النموذج للتأكد من دقته وملاءمته للهدف، قبل تطبيقه داخل الشركة واستخدامه في اتخاذ القرار.

وقدم محمد السيد مثالًا عمليًا بشركة من شركات النفط والغاز واجهت مشكلة في تقدير الفترات الزمنية للاستيراد، حيث كانت تحتاج إلى تقدير مواعيد وصول الشحنات بدقة، لأن أي تأخير في وصول قطع الغيار أو المستلزمات قد يؤدي إلى تعطيل العمليات أو تحمل تكاليف إضافية أو الدخول في التزامات تعاقدية وغرامات.

وأوضح أنه يمكن تطبيق نموذج تحليل البيانات في هذه الحالة من خلال فهم المشكلة أولًا، ثم جمع بيانات الفواتير، ومستندات الشحن، وبيانات الجمارك، وأنظمة تتبع الشحنات، وموانئ الوصول، وطريقة الشحن، ونوع البضاعة، ومدد التخليص، ثم تنظيف هذه البيانات وتحليلها وبناء نموذج يساعد على التنبؤ بزمن وصول الشحنات بدقة أعلى، ويساعد هذا النوع من التحليل الشركات على تحسين كفاءة العمليات التشغيلية، وتقليل التكلفة، وتجنب التأخير، واختيار طريقة الشحن الأنسب، والتعامل بصورة أفضل مع الموردين والموانئ وسلاسل الإمداد.

وأكد محمد السيد أن تحليل البيانات لم يعد حكرًا على إدارة واحدة داخل الشركة، بل أصبح مطلوبًا في كل إدارة تقريبًا. ففي التسويق، يساعد تحليل البيانات على فهم سلوك العملاء، وتقسيم الجمهور، وقياس فعالية الحملات الإعلانية، وتحسين العائد على الإنفاق التسويقي، وتحديد الرسائل المناسبة لكل شريحة، ومعرفة القنوات الأكثر تأثيرًا، وقياس استجابة العملاء للعروض والمنتجات. وفي المبيعات، يساعد على توقع حجم المبيعات، وقياس أداء فرق البيع، وتحديد المنتجات الأكثر ربحية، ومعرفة أسباب فقدان الصفقات، وتحليل المناطق البيعية، وفهم أسباب تراجع الطلب أو زيادته في فترات معينة، إلى جانب معرفة العملاء الأكثر قيمة، والمنتجات التي تحتاج إلى دعم تسويقي أكبر، والأسواق التي يمكن التوسع فيها.

وأضاف أن تحليل البيانات في إدارة التوريد وسلاسل الإمداد يساعد على تحسين إدارة المخزون، وتقليل تكاليف الشحن، وتحسين أوقات التسليم، وتوقع الاحتياجات المستقبلية، وتقليل مخاطر نقص الخامات أو تراكم المخزون، وفي الشركات المصدرة، يصبح تحليل البيانات أكثر أهمية لأنه يساعد على قراءة الأسواق الخارجية، ومتابعة تغيرات الطلب، وتقييم الموردين، واختيار التوقيت الأنسب للشحن والتعاقد.

كما يساعد في الموارد البشرية على فهم معدل دوران الموظفين، وأسباب الاستقالات، وتقييم الأداء، وقياس كفاءة التدريب، وتحديد الإدارات التي تواجه مشكلات في الاستقرار الوظيفي، موضحًا أن ارتفاع معدل دوران الموظفين قد يكلف الشركات كثيرًا، وبالتالي فإن تحليل أسبابه يساعد على اتخاذ قرارات أفضل في التوظيف والاحتفاظ بالكفاءات.

وأشار محمد السيد إلى أن تحليل البيانات في الإدارة المالية يدخل في تحليل التكاليف، والتنبؤ بالإيرادات، وإعداد الموازنات، وإدارة المخاطر المالية، وقراءة الانحرافات بين المخطط والمنفذ، كما يساعد الإدارة على معرفة مصادر الربح والخسارة، وتحديد الأنشطة الأعلى تكلفة، ووضع سيناريوهات مالية أكثر دقة. وفي العمليات والإنتاج، يساعد على تحسين كفاءة خطوط الإنتاج، وتقليل الهدر، ومراقبة الجودة، وتحديد أسباب الأعطال، وقياس أداء العمليات، وتحسين استخدام الموارد.

أما في خدمة العملاء، فيساعد على تحليل الشكاوى، وتقليل وقت الاستجابة، وفهم أسباب عدم الرضا، وتحسين تجربة العميل، خاصة أن العملاء أصبحوا يتوقعون سرعة في الرد وحل المشكلات، ولا يرغبون في الانتظار