نظم المجلس التصديري للصناعات الغذائية ندوة الكترونية بعنوان «حساب البصمة الكربونية في الصناعات الغذائية»، بالتعاون مع شركة إنفينيتي، ضمن سلسلة اللقاءات الفنية التي ينظمها المجلس لدعم الشركات الأعضاء ورفع جاهزيتها للتعامل مع المتغيرات العالمية في ملف الاستدامة ومتطلبات الأسواق الدولية، خاصة في ظل تزايد اهتمام العملاء والمستوردين بملفات الانبعاثات الكربونية والأداء البيئي للموردين.
وأكد المجلس التصديري للصناعات الغذائية أن ملف «البصمة الكربونية»» أصبح من الملفات المهمة أمام الشركات العاملة في قطاع الصناعات الغذائية، خصوصًا مع التوجهات العالمية الجديدة ومتطلبات الأسواق الدولية، مشيرًا إلى أن المجلس يحرص على تعريف الشركات الأعضاء بمقدمي الخدمات المتخصصين، وإتاحة قنوات مباشرة للتواصل معهم من خلال الموقع الإلكتروني للمجلس، بما يمكن الشركات من التعرف على الخدمات المتاحة، وطرح الاستفسارات الفنية، والاستفادة من الخصومات والعروض المقدمة للأعضاء.
وقالت المهندسة هدى سيف، ممثلة شركة «إنفينيتي»، إن الشركة تقدم مجموعة متكاملة من الخدمات الفنية للشركات، تشمل خدمات منح الشهادات لأنظمة الإدارة المختلفة مثل ISO وFSSC، وفقًا لمتطلبات المواصفات الدولية وجهات الاعتماد المعمول بها، موضحة أن العمل يبدأ بتحديد مدى توافق العميل أو المشروع مع متطلبات المواصفة المستهدفة، ثم الانتقال إلى مراحل التقييم ومنح الشهادة وفقًا لطبيعة كل نشاط.
وأضافت أن «إنفينيتي» تمتلك أيضًا قطاعًا خاصًا بالتحاليل من خلال معمل متخصص يقدم التحاليل الكيميائية والميكروبيولوجية وفق المتطلبات التنظيمية والفنية، بما يدعم الشركات في الامتثال لاشتراطات الجهات الرقابية ومتطلبات الأسواق المحلية والدولية.
وأشارت إلى أن الشركة تقدم كذلك خدمات تدريبية من خلال أكاديمية متخصصة، تغطي الإصدارات الحديثة من المواصفات والمعايير المختلفة، موضحة أن التدريب لا يتم بصورة نمطية، وإنما يبدأ بتحديد احتياجات العميل بدقة، ثم إعداد مادة تدريبية تتوافق مع طبيعة الصناعة ونشاط المنشأة، يعقبها تنفيذ البرنامج التدريبي وتقييم أثره ونتائجه.
كما لفتت إلى أن خدمات إنفينيتي تشمل أيضًا التفتيش، واعتماد المنتجات، والشهادات المهنية، ومنها الشهادات المرتبطة بمتطلبات ISO 17024، مؤكدة أن الشركة مستعدة للرد على استفسارات الشركات بشأن الخدمات الفنية المطلوبة وآليات الاستفادة منها.
من جانبه، قال المهندس خالد منتصر، خبير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية ESG، إن ملف البصمة الكربونية أصبح أحد الملفات الاستراتيجية التي لا يمكن لشركات الصناعات الغذائية تجاهلها خلال المرحلة المقبلة، موضحًا أن القطاع الغذائي بات تحت ضغط عالمي متزايد بسبب ارتباطه المباشر بسلاسل إنتاج طويلة تبدأ من الزراعة والخامات، وتمر بالتصنيع والتعبئة والتغليف والتبريد والنقل، وصولًا إلى المستهلك النهائي والتعامل مع المخلفات.
وأكد منتصر أن الصناعات الغذائية لم تعد مطالبة فقط بتقديم منتج مطابق لاشتراطات الجودة وسلامة الغذاء، بل أصبحت مطالبة أيضًا بإثبات قدرتها على قياس الانبعاثات الكربونية المرتبطة بأنشطتها، ووضع خطط واضحة لخفضها، خاصة مع تزايد ارتباط النفاذ إلى الأسواق العالمية بملفات الاستدامة والشفافية البيئية.
وأشار إلى أن القطاع الغذائي يساهم بنحو 26% من الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، وهو ما يضعه تحت رقابة متزايدة من الحكومات والمستوردين وسلاسل التجزئة الكبرى، مضيفًا أن نحو 35% من صادرات الغذاء المصرية ترتبط بالسوق الأوروبية، بما يجعل الاستعداد لمتطلبات الاتحاد الأوروبي ضرورة مبكرة وليست خطوة مؤجلة.
وأوضح أن آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية CBAM تمثل مؤشرًا مهمًا لاتجاه الأسواق نحو ربط التجارة بالانبعاثات، حتى وإن كانت الأغذية المصنعة خارج نطاق التطبيق المباشر حاليًا، مشيرًا إلى أن نطاق المنتجات الخاضعة للمراجعة يتم بحثه دوريًا، وأن الشركات التي لا تبدأ في قياس انبعاثاتها من الآن قد تواجه صعوبة في تقديم بيانات موثقة عندما تتوسع المتطلبات أو يطلبها العملاء.
وأضاف أن غياب بيانات موثقة عن الانبعاثات الكربونية لم يعد مجرد نقص في ملف الاستدامة، بل قد يتحول إلى خطر مباشر على فرص النفاذ إلى الأسواق، لأن المستوردين الكبار والشركات العالمية باتوا يطلبون من مورديهم بيانات واضحة حول البصمة الكربونية، ومصادر الطاقة، وخطط الخفض، ومدى جاهزية المؤسسة للتوافق مع متطلبات الإفصاح والاستدامة.
وأكد منتصر أن هناك تحولًا واضحًا في طريقة تقييم الموردين عالميًا، حيث لم تعد القدرة التنافسية قائمة على السعر والجودة فقط، وإنما أصبحت تشمل عناصر جديدة مثل كفاءة استخدام الطاقة، وخفض الانبعاثات، وإدارة المخلفات، وتتبع بيانات سلسلة الإمداد، والقدرة على تقديم تقارير قابلة للمراجعة والتحقق.
ولفت إلى أن الشركات المصرية المصدرة للأغذية مطالبة بمتابعة متطلبات الاتحاد الأوروبي، خاصة ما يتعلق بتقارير الاستدامة والإفصاح عن الانبعاثات، موضحًا أن الشركات الأوروبية الكبيرة ستنقل هذه الالتزامات تدريجيًا إلى مورديها خارج أوروبا، ومن بينهم الموردون المصريون، لأن بيانات الموردين أصبحت جزءًا من تقارير الاستدامة الخاصة بالشركات المستوردة.
وأشار إلى أن كبار المشترين العالميين وسلاسل التجزئة الدولية بدأوا بالفعل في مطالبة الموردين ببيانات كربونية واستدامة أكثر وضوحًا، وأن بعض الشركات متعددة الجنسيات التي تتعامل مع موردي أغذية من مصر أصبحت تربط التعاقدات الجديدة أو استمرار التوريد بوجود بيانات موثقة عن الأداء البيئي وخطط خفض الانبعاثات.
وأوضح أن إدارة الكربون لا يجب النظر إليها باعتبارها عبئًا إضافيًا على الشركات، بل باعتبارها أداة لتحسين الكفاءة وخفض التكلفة وفتح الأسواق، مؤكدًا أن الشركات التي تبدأ مبكرًا في قياس الانبعاثات ستتمكن من تحديد مصادر الهدر داخل مصانعها، سواء في الكهرباء أو الوقود أو التبريد أو التغليف أو النقل، ثم تحويل هذه البيانات إلى قرارات تشغيلية تحقق وفرًا ماليًا مباشرًا.
وقال إن حساب البصمة الكربونية يبدأ بتحديد حدود المنشأة أو النشاط محل القياس، سواء كانت شركة واحدة أو مصنعًا أو مجموعة مصانع أو مزرعة أو منتجًا محددًا، ثم جمع بيانات النشاط بدقة، مثل استهلاك الكهرباء والوقود والغاز الطبيعي، وسجلات المبردات، وكميات الخامات، ومسافات النقل، وبيانات التغليف والمخلفات، قبل تحويل هذه البيانات إلى مكافئ ثاني أكسيد الكربون باستخدام عوامل الانبعاث المناسبة.
وأكد أن الشركات المصرية يمكنها البدء بمنهجية عملية وواضحة، تقوم أولًا على تحديد نطاق جرد الانبعاثات وفق السيطرة القانونية أو التشغيلية، ثم جمع فواتير الطاقة وسجلات الوقود والمبردات لمدة 12 شهرًا، ثم تطبيق عوامل الانبعاث الخاصة بشبكة الكهرباء المصرية وعوامل احتراق الوقود المعترف بها دوليًا، مع البدء في قياس أهم مصادر الانبعاثات غير المباشرة في النطاق الثالث، خاصة التغليف واللوجستيات والخامات.
وأوضح منتصر أن البصمة الكربونية تمثل إجمالي الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن أنشطة المؤسسة، ويتم التعبير عنها بمكافئ ثاني أكسيد الكربون، مشيرًا إلى أن الانبعاثات تنقسم إلى ثلاثة نطاقات رئيسية، الأول يشمل الانبعاثات المباشرة من مصادر تملكها أو تتحكم فيها الشركة مثل الغلايات والمولدات ومركبات الشركة والعمليات الإنتاجية، والثاني يشمل الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن الطاقة المشتراة مثل الكهرباء والبخار والتدفئة والتبريد، بينما يشمل النطاق الثالث باقي الانبعاثات غير المباشرة المرتبطة بسلسلة القيمة مثل الخامات والنقل والتغليف والمخلفات.
وأشار إلى أن النطاق الثالث هو الأكثر تعقيدًا وأهمية في الصناعات الغذائية، لأنه يرتبط بسلسلة الإمداد الكاملة، بداية من الموردين والمزارع ومصادر الخامات، مرورًا بالتعبئة والتغليف والنقل والتوزيع، وحتى المستهلك النهائي، ولذلك فإن إشراك الموردين في جمع البيانات أصبح خطوة ضرورية لبناء تقارير دقيقة ومقبولة لدى الأسواق والعملاء.
وأضاف أن الشركات التي تبدأ بقياس النطاقين الأول والثاني فقط تكون قد اتخذت خطوة أولى مهمة، لكن عليها أن تتوسع تدريجيًا في النطاق الثالث، خاصة إذا كانت تتعامل مع سلاسل تجزئة أو عملاء دوليين يطلبون بيانات عن الخامات والتغليف واللوجستيات، لأن هذه العناصر قد تمثل النسبة الأكبر من الانبعاثات في بعض الصناعات الغذائية.
وأوضح أن المدخلات الزراعية والخامات قد تمثل في بعض القطاعات، خصوصًا اللحوم والألبان، النسبة الأكبر من إجمالي الانبعاثات، بينما تمثل عمليات التبريد والطاقة عاملًا رئيسيًا في مصانع الأغذية كثيفة الاستهلاك للطاقة، كما تمثل الخدمات اللوجستية، خاصة النقل المبرد، أحد المصادر المهمة لانبعاثات النطاق الثالث، إلى جانب المخلفات وفاقد الغذاء والتخلص من مواد التعبئة والتغليف.
وقال إن تحليل النقاط الساخنة داخل المنشأة يساعد الإدارة على توجيه الاستثمارات إلى الأماكن الأكثر تأثيرًا، فبدلًا من إنفاق أموال كبيرة على إجراءات عامة، تستطيع الشركة تحديد المصدر الأكبر للانبعاثات، ثم البدء بإجراء له عائد واضح، مثل تحسين كفاءة الكهرباء، أو تركيب أنظمة طاقة شمسية، أو مراجعة عقود التغليف، أو تحسين مسارات النقل، أو تطبيق برامج كشف تسربات المبردات.
وأشار إلى أن إدارة الانبعاثات يمكن أن تحقق وفورات تشغيلية ملموسة، موضحًا أن مشروعات كفاءة الطاقة التي تستهدف انبعاثات الكهرباء يمكن أن تخفض فواتير الطاقة بنسب كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، كما أن خفض 100 ألف كيلووات ساعة شهريًا من الاستهلاك يمكن أن يترجم إلى وفر سنوي كبير في التكلفة، فضلًا عن تحسين موقف الشركة أمام العملاء والممولين.
وأضاف أن بعض دراسات مصانع الأغذية توضح أن الكهرباء قد تمثل نحو ثلث إجمالي الانبعاثات في بعض الحالات، تليها مواد التعبئة والتغليف، ثم انتقالات العاملين، ثم الغاز الطبيعي، ثم النقل والمبردات، وهو ما يعني أن إجراءات مثل الطاقة الشمسية، ومراجعات كفاءة الطاقة، وطلب بيانات دورة الحياة من موردي التغليف، وتنظيم انتقالات العاملين، واسترجاع الحرارة، وبرامج كشف تسرب المبردات يمكن أن تحقق أثرًا واضحًا في خفض الانبعاثات.
وأكد منتصر أن حساب البصمة الكربونية لا ينتهي عند إعداد التقرير، بل يبدأ منه اتخاذ قرارات استراتيجية، تشمل تحديد النقاط الأعلى انبعاثًا، ووضع أهداف خفض مبنية على العلم، وإشراك الموردين في برامج النطاق الثالث، وإعداد تقارير شفافة قابلة للمراجعة وتلبي متطلبات العملاء والمستثمرين والجهات الرقابية.
ولفت إلى أن الشركات التي تمتلك بيانات دقيقة وقابلة للمراجعة ستكون أكثر قدرة على التعامل مع متطلبات CSRD وGRI ومتطلبات المستثمرين والبنوك وجهات التمويل، موضحًا أن الأداء الجيد في ملفات الاستدامة أصبح عاملًا مؤثرًا في فرص التمويل، خاصة في المشروعات المرتبطة بكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة ومعالجة المياه والتحول الأخضر.
وأضاف أن مؤسسات التمويل الدولية والبنوك التنموية أصبحت تعطي أولوية متزايدة للمشروعات المتوافقة مع المناخ، وأن الشركات التي تمتلك خط أساس واضحًا للانبعاثات وخطة خفض قابلة للقياس تكون أكثر قدرة على الحصول على تمويل أو شراكات استثمارية، مقارنة بالشركات التي لا تمتلك بيانات منظمة أو تقارير قابلة للتحقق.
وأكد أن السوق الأوروبية تمثل ملفًا شديد الحساسية للشركات المصرية المصدرة، خصوصًا مع مطالبة بعض سلاسل التجزئة الأوروبية خلال الفترة الحالية والمقبلة ببيانات كربونية من الموردين، مشيرًا إلى أن المورد غير القادر على تقديم بيانات موثقة قد يكون معرضًا لخطر فقدان فرص التوريد أو الخروج من قوائم الموردين المعتمدين لدى بعض العملاء الكبار.
وأوضح أن إدارة الكربون ترتبط أيضًا بإدارة المخاطر، لأن التغيرات المناخية لم تعد قضية بعيدة عن القطاع الغذائي، بل تؤثر على إنتاجية المحاصيل، وتوافر المياه، وتكاليف الطاقة، واستقرار سلاسل الإمداد، ولذلك فإن بناء قاعدة بيانات للانبعاثات يساعد الشركات على التخطيط طويل الأجل وتعزيز مرونة سلاسل التوريد.
وقال منتصر إن الخطوة العملية الأولى أمام الشركات هي إنشاء خط أساس للانبعاثات، ويفضل أن يكون لعام واضح مثل 2024، ثم الالتزام بدورة سنوية للتقرير، بحيث تستطيع الشركة قياس التحسن عامًا بعد آخر، وتقديم بيانات موثوقة للعملاء والمستثمرين والجهات التمويلية.
وأضاف أن الشركات يجب أن تبدأ بالتواصل مع أكبر الموردين لديها لجمع بيانات النطاق الثالث، خاصة الموردين المرتبطين بالخامات والتغليف والنقل، لأن قدرة الشركة على إدارة انبعاثاتها لن تكتمل دون امتداد القياس إلى الموردين الرئيسيين في سلسلة الإمداد.
وأكد أن الشركات المصرية في قطاع الصناعات الغذائية أمام فرصة مهمة للتحول من التعامل مع البصمة الكربونية كعبء تنظيمي إلى استخدامها كأداة تنافسية، لأن الشركة التي تمتلك بيانات موثقة وخطة خفض واضحة ستكون أكثر قدرة على الحفاظ على عملائها، ودخول أسواق جديدة، وتقليل تكاليفها، وجذب التمويل، وبناء ثقة طويلة الأجل مع المستهلكين والشركاء التجاريين.
وأكدت شركة إنفينيتي استمرارها في دعم الشركات المصرية في رحلتها نحو الاستدامة، من خلال خدمات التقييم ومنح الشهادات والتدريب ، بما يعزز جاهزيتها لمتطلبات الأسواق العالمية ويرفع قدرتها التنافسية.


