تعود تجارة السكر العالمية إلى دائرة التوتر بعد قرار الهند، ثاني أكبر منتج للسكر في العالم، حظر الصادرات حتى نهاية سبتمبر، في خطوة تستهدف حماية الإمدادات المحلية وسط خفض توقعات الإنتاج ومخاوف من تأثيرات مناخية محتملة على الموسم المقبل. القرار يأتي في توقيت حساس للسوق، بعدما كانت الأسعار قد تراجعت إلى مستويات منخفضة، قبل أن تعود للارتفاع مع تقليص توقعات الفائض العالمي وزيادة الطلب المرتبط بالوقود الحيوي.
قررت الهند حظر صادرات السكر حتى نهاية سبتمبر، وفق إشعار رسمي، في خطوة تعكس توجه الحكومة لحماية الإمدادات المحلية وتأمين احتياجات السوق الداخلي، بعد تراجع تقديرات الإنتاج وارتفاع مستوى القلق بشأن الموسم الزراعي المقبل.
ويأتي القرار في وقت تحتل فيه الهند موقعًا مؤثرًا في تجارة السكر العالمية، باعتبارها ثاني أكبر منتج للسكر، وأحد اللاعبين الذين تؤثر سياساتهم التصديرية بصورة مباشرة على حركة الأسعار وتوازنات العرض والطلب في الأسواق الدولية.
وبحسب البيانات الواردة، خفضت رابطة مصنّعي السكر والطاقة الحيوية الهندية توقعاتها لإنتاج السكر في الموسم المنتهي في 30 سبتمبر إلى نحو 32 مليون طن، مقارنة بتقدير سابق بلغ 32.4 مليون طن. ورغم أن الفارق يبدو محدودًا من حيث الحجم، فإن تأثيره يصبح أكثر أهمية عندما يأتي بالتزامن مع قرار تقييد الصادرات ومخاوف مرتبطة بالمحصول التالي.
وتشير التقديرات إلى أن المحصول المقبل، الذي يبدأ عادة في أكتوبر، قد يتأثر بموسم أمطار موسمية أقل من المتوسط، خاصة مع ترقب تأثير ظاهرة إل نينيو على الأمطار السنوية. وتمثل الأمطار الموسمية عاملًا حاسمًا في الإنتاج الزراعي الهندي، بما في ذلك المحاصيل المرتبطة بصناعة السكر.
وكانت الحكومة الهندية قد استبعدت في أبريل فرض قيود على المبيعات الخارجية، إلا أن الإشعار الأخير تراجع عن هذا الاتجاه وقرر حظر الصادرات، مع بعض الاستثناءات المحدودة، من بينها الشحنات التي بدأت بالفعل عمليات التحميل.
وعلى مستوى السوق العالمية، يأتي القرار بعد فترة شهدت وفرة نسبية في الإمدادات، دفعت العقود الآجلة القياسية للسكر في نيويورك إلى أدنى مستوى لها في خمسة أعوام في وقت سابق من العام. غير أن هذه الصورة بدأت تتغير مع خفض بعض المحللين توقعاتهم لفائض المعروض خلال موسم 2026-2027، لتتحرك الأسعار لاحقًا أعلى بنحو 15% من تلك المستويات المنخفضة.
كما تضيف تطورات سوق الوقود الحيوي بعدًا آخر لمعادلة السكر العالمية، خاصة في الدول التي تعتمد على السكر أو مشتقاته في إنتاج الوقود الحيوي. ومع زيادة الطلب على هذه الاستخدامات، تصبح قرارات تقييد الصادرات أكثر حساسية بالنسبة للمستوردين ومصنعي الأغذية والمشروبات.
وتاريخيًا، لعبت صادرات الهند من السكر دورًا مهمًا في ضبط إيقاع السوق العالمية. فقد بدأت نيودلهي تقييد صادرات السكر بعد ضعف محصول موسم 2022-2023، من خلال إصدار حصص سنوية للكميات المسموح بتصديرها. وخلال الموسم الحالي، سمحت الحكومة في البداية بتصدير 1.5 مليون طن في نوفمبر، قبل أن تضيف 500 ألف طن أخرى في فبراير.
ولا ينعزل قرار السكر عن نمط أوسع من التحركات الهندية في تجارة السلع الزراعية، حيث شهدت السياسات الخاصة ببعض المحاصيل تقلبات خلال الفترة الأخيرة. فبينما تتجه الحكومة الآن إلى تشديد القيود على السكر، كانت قد خففت في الأشهر الماضية بعض القيود المفروضة على صادرات القمح، والتي استمرت لأكثر من ثلاثة أعوام.
وتشير هذه التطورات إلى أن الهند تتحرك في ملف السلع الزراعية بمنطق حماية السوق المحلي أولًا، مع إبقاء التصدير مرهونًا بتوازنات الإنتاج والمخزون والأسعار الداخلية. وبالنسبة للسوق العالمية، فإن أي غياب أو تراجع في الإمدادات الهندية من السكر قد يفتح الباب أمام إعادة تسعير المخاطر، خاصة إذا تزامن ذلك مع تراجع توقعات الفائض العالمي أو اضطرابات مناخية في مناطق إنتاج رئيسية.




بقلم