يعتقد البعض أن رحلة التصدير تبدأ عندما تُحمَّل الحاوية على السفينة، لكن الحقيقة أن الميناء ليس بداية الرحلة، بل آخر محطة في سلسلة طويلة تبدأ من داخل المصنع، عند تصميم المنتج واختيار الخامات ودراسة السوق وتجهيز خطوط الإنتاج وبناء فريق قادر على الوفاء بالتزامات الشركة أمام العميل.
لم يعد نجاح الشركات الصناعية التي تسعى للتصدير مرتبطًا بقدرتها على إنتاج سلعة جيدة فقط، بل أصبح مرهونًا ببناء منظومة متكاملة تضم الإنتاج والتجارة والتسويق وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية وخدمة ما بعد البيع، بحيث تعمل جميع الأطراف بروح واحدة لخدمة العميل.
ويمكن اختصار هذا التكامل في مفهوم أطلق عليه «شركة واحدة وعميل واحد»، أي أن جميع الأطراف المشاركة في إنتاج السلعة ونقلها وتسويقها يجب أن تتصرف أمام العميل باعتبارها منظومة واحدة تتحمل مسؤولية المنتج من المصنع حتى السوق.
فالعميل الذي يشتري المنتج النهائي لا يرى خلفه المصنع أو المورد أو شركة الشحن أو مقدم الخدمات اللوجيستية، وإنما يرى منتجاً واحداً يجب أن يصل إليه بالجودة المطلوبة، وفي الموعد المحدد، وبالسعر المناسب.
ومن هنا، فإن نجاح أي شركة في التوسع والتصدير لا يمكن أن يتحقق بجهد منفرد، بل يحتاج إلى تكامل حقيقي بين جميع الأطراف المشاركة في سلسلة القيمة، ورغم اختلاف تخصصات المنتج والمورد والتاجر وشركة الشحن والموزع، فإن الجميع يعمل لتحقيق هدف واحد، هو إرضاء العميل وتعزيز قدرة المنتج على المنافسة والاستمرار داخل السوق.
لكل سوق منتجه الخاص
وهناك تصور خاطئ لدى بعض الشركات بأن التصدير يبدأ عندما تُحمَّل الحاوية على السفينة، بينما الحقيقة أن التصدير يبدأ قبل ذلك بوقت طويل، من داخل المصنع، وتحديداً من مرحلة تصميم المنتج، واختيار الخامات، ودراسة السوق، وتطوير خطوط الإنتاج، وتجهيز فريق العمل، والحصول على الشهادات والتراخيص اللازمة.
لا يمكن للشركة أن تنتج سلعة واحدة، ثم تتوقع أن تناسب جميع الأسواق بالطريقة نفسها، فما يصلح للسوق السعودية قد لا يتناسب مع أسواق شرق أفريقيا أو أوروبا أو الولايات المتحدة، ولكل سوق متطلباتها الخاصة من حيث المواصفات والجودة والتعبئة والأحجام والألوان وقواعد التسجيل والشهادات المطلوبة.
السوق يُفهم من الميدان
كما تختلف طبيعة المستهلك وذوقه وسلوكه الشرائي وطرق استخدام المنتج من دولة إلى أخرى. لذلك، يجب دراسة السوق المستهدفة بدقة، ومعرفة حجم الطلب، ومستويات الأسعار، وأبرز المنافسين، وقنوات البيع، وطرق التوزيع، قبل اتخاذ قرار التصدير.
ويجب أيضاً التعرف إلى خطوط الملاحة المتاحة، ومدة الرحلة، وتكاليف الشحن والتأمين، والمسارات البديلة، والقيود التجارية المحتملة. فالمنتج الجيد قد يفقد قدرته على المنافسة إذا لم تصل تكلفته النهائية إلى مستوى يتناسب مع القوة الشرائية للمستهلك والسعر السائد داخل السوق.
ومن واقع التجربة، لا ينبغي للشركة أن تعتمد على الدراسات المكتبية وحدها، لأن التسويق الدولي يبدأ من الميدان من قلب السوق، وتعد المشاركة في المعارض والبعثات التجارية، وزيارة المتاجر وأسواق الجملة والتجزئة، والتواصل المباشر مع التجار والمستوردين والموزعين، أدوات أساسية لفهم السوق بصورة واقعية.
العين تشتري أولًا.. والعبوة جزء من قرار الشراء
فالعين تشتري أولاً، ثم يختبر المستهلك الطعم والجودة ومدى ملاءمة المنتج لاحتياجاته. وإذا شعر بأنه يحصل على قيمة حقيقية مقابل السعر، فإنه يعيد الشراء ويمنح العلامة التجارية ثقته. ولهذا يجب الاهتمام بالعبوة والألوان وطريقة عرض المنتج، بالقدر نفسه الذي نهتم فيه بجودة المحتوى.
ومن الأفضل أن تبدأ الشركات التصدير بصورة تدريجية، من خلال إرسال عينات إلى العملاء المحتملين، ثم تنفيذ شحنة تجريبية محدودة، ومتابعة ردود فعل المستوردين والمستهلكين قبل الانتقال إلى شحنات منتظمة، وتمنح هذه الخطوات المصنع فرصة لتطوير المنتج، وضبط العبوة، وتحديد السعر المناسب، وتصحيح أي ملاحظات في مرحلة مبكرة.
ولا تقل أهمية فريق العمل عن أهمية المنتج أو الآلات، لأن العنصر الإنساني هو الذي يحول الخطط إلى نتائج. فلا يمكن تنفيذ استراتيجية تصديرية ناجحة من دون موظفين يشعرون بالتقدير، ويمتلكون روح التعلم والتعاون وتحمل المسؤولية.
كل فرد في المؤسسة له دور في التصدير
يمكن تطوير المهارات من خلال التدريب المستمر، لكن النجاح يحتاج أيضاً إلى الالتزام والسلوك المهني والقدرة على العمل ضمن فريق واحد. فكل قرار يتعلق بالجودة أو الإنتاج أو التعبئة أو التسويق أو الشحن يقف خلفه شخص يجب أن يدرك تأثير دوره في النتيجة النهائية.
تمكين الشباب يصنع استدامة التصدير
كما أن تمكين الشباب ومنحهم فرص المشاركة والتعلم واتخاذ القرار يسهم في إعداد جيل جديد من القيادات القادرة على مواصلة النمو، والشركة التي تستثمر في موظفيها لا تبني فريقاً للحاضر فقط، بل تؤسس لاستدامة أعمالها وقدرتها على التوسع في المستقبل.
وتأتي كفاءة سلسلة الإمداد باعتبارها عنصراً حاسماً في القدرة التنافسية، يجب على الشركة أن تعرف متى تشتري الخامات، ومن أي سوق، وكيف تنقلها وتخزنها وتستخدمها بأعلى كفاءة، مع تقليل عمليات المناولة غير الضرورية وضبط مستويات المخزون.
كما يجب اختيار الميناء وخط الملاحة ومسار الشحن الأنسب، لأن كل تكلفة يمكن توفيرها داخل السلسلة تمنح المنتج فرصة أكبر للمنافسة، ولا يعني تحسين التكلفة التنازل عن الجودة، بل يعني مراجعة كل خطوة، من شراء الخامات إلى الإنتاج والتعبئة والنقل والشحن والتوزيع، للوصول إلى أفضل قيمة ممكنة.
ويظل تنويع الأسواق من أهم عوامل الاستدامة، فالاعتماد على وجهة واحدة يرفع مستوى المخاطر، بينما يمنح الانتشار في أسواق متعددة الشركة قدرة أكبر على التعامل مع التغيرات الاقتصادية والتجارية، ويدعم استمرار الإنتاج، ويوفر إيرادات بالعملات الأجنبية تساعد على تمويل الخامات والمعدات وخطط التوسع.
كل توسع في التصدير دفعة ثقة في الصناعة المصرية
ويبقى الجانب الإنساني أساس كل نجاح، فخلف كل شحنة تصل إلى سوق جديدة فريق من العمال والمهندسين والمسوقين ومسؤولي الجودة والمشتريات والخدمات اللوجيستية، وكل سوق جديدة لا تعني زيادة المبيعات فقط، بل تعني فرص عمل جديدة، وخبرات أوسع، وثقة أكبر في الصناعة المصرية.
أرى أن المنتج المصري يمتلك فرصاً كبيرة في الأسواق العالمية، بشرط الاستعداد الجيد، وفهم المستهلك، والالتزام بالجودة، وبناء فرق عمل قوية، وتحقيق التكامل بين الإنتاج والتسويق وسلاسل الإمداد.
لا توجد سوق بعيدة أمام شركة تدرس خطواتها جيداً، وتتعلم باستمرار، وتحترم فريقها وعملاءها، وتؤمن بأن نجاح التصدير يبدأ من داخل المصنع، قبل أن تصل الحاوية إلى الميناء.


بقلم