الرئيسية « رؤى الصناعة « محمد متولي يكتب: الملصق الغذائي أصبح جزءًا من معركة التصدير
رؤى الصناعة

محمد متولي يكتب: الملصق الغذائي أصبح جزءًا من معركة التصدير

لم يعد قرار شراء المنتج الغذائي يتوقف على الطعم والسعر وجودة العبوة فقط، لأن المستهلك والمستورد والجهة الرقابية أصبحوا يقرؤون قائمة المكونات وبلد المنشأ والقيم الغذائية وادعاءات الاستدامة والتحذيرات قبل أن يمنحوا المنتج ثقتهم أو يسمحوا له بدخول السوق.

العبوة لم تعد مساحة للإعلان فقط

تعاملت شركات كثيرة لسنوات طويلة مع العبوة باعتبارها مساحة لعرض العلامة التجارية والصورة الجذابة والرسالة التسويقية، بينما أصبحت العبوة اليوم وثيقة تجارية وتنظيمية وقانونية تختصر تاريخ المنتج بداية من مصادر الخامات وحتى المصنع والسوق الذي سيطرح فيه.

المشكلة أن بعض الشركات ما زالت تؤجل مراجعة الملصق إلى المرحلة الأخيرة بعد الانتهاء من التصنيع والتعاقد على الطباعة، ثم تكتشف أن السوق المستهدف يطلب صياغة مختلفة للمكونات أو تحذيرًا إضافيًا للحساسية أو تعديلًا في ترتيب البيانات أو إثباتًا لأحد الادعاءات المكتوبة على العبوة.

لغة يفهمها المستهلك ولا تضلله

النقاش العالمي المتزايد حول تبسيط أسماء المكونات يكشف عن معادلة صعبة تواجه الشركات، لأن المستهلك يريد قائمة قصيرة ومفهومة، بينما تحتاج الجهات الرقابية إلى معلومات دقيقة تمنع الخلط أو إخفاء طبيعة المواد المستخدمة.

المطلوب ليس استبدال المصطلحات العلمية بعبارات تسويقية جذابة، وإنما كتابة المعلومات بطريقة واضحة تحافظ على الدقة العلمية وتساعد المستهلك على فهم وظيفة المكون دون أن يشعر أن الشركة تتعمد إرباكه أو إخفاء شيء عنه.

المستهلك الذي لا يفهم ما يقرأه قد يرفض المنتج حتى عندما تكون مكوناته آمنة، لكن المستهلك الذي يكتشف أن الشركة استخدمت لغة مبسطة لإخفاء مادة أو تضخيم فائدة صحية قد يفقد الثقة في العلامة بالكامل.

التصدير يبدأ قبل تصميم العبوة

الشركة التي تخطط لدخول سوق جديد يجب أن تدرس قواعد الملصقات الغذائية بالتوازي مع دراسة حجم السوق والمنافسين والأسعار، لأن تغيير العبوة بعد إنتاج كميات تجارية قد يستهلك جزءًا كبيرًا من هامش الربح ويؤخر الشحن ويعرض الصفقة للإلغاء.

كما ينبغي ألا تعتمد الشركات على ترجمة الملصق العربي حرفيًا إلى الإنجليزية أو الفرنسية، لأن كل سوق يمتلك قواعده الخاصة بشأن أسماء المكونات والقيم الغذائية والمواد المسببة للحساسية والادعاءات الصحية وحجم الخط ومكان بلد المنشأ وطريقة كتابة مدة الصلاحية.

الادعاءات التسويقية تحتاج إلى دليل

كلمات مثل «طبيعي» و«صحي» و«غني بالبروتين» و«خالٍ من السكر» و«مصدر مسؤول» و«صديق للبيئة» لم تعد مجرد عبارات دعائية يمكن وضعها بحرية على العبوة، لأنها قد تتحول إلى التزام قانوني يحتاج إلى تحاليل ومستندات ونظم تتبع وإثباتات يمكن تقديمها عند المراجعة أو الاعتراض.

أصبح من الضروري أن تسأل الشركة قبل كتابة أي ادعاء على العبوة عما إذا كانت تمتلك الدليل الكافي لإثباته، ومن الجهة التي أصدرت هذا الدليل، وما إذا كان مقبولًا داخل السوق المستهدف، وهل يشمل المنتج نفسه أم يتحدث بصورة عامة عن الشركة أو أحد مورديها.

التتبع يحمي العلامة وقت الأزمة

أزمات سلامة الغذاء لا تختبر جودة المنتج فقط، لكنها تختبر قدرة الشركة على معرفة رقم التشغيلة ومصدر الخام وتاريخ الإنتاج والعملاء الذين استلموا الشحنة والوقت اللازم للوصول إليهم.

الشركة التي تمتلك نظام تتبع دقيقًا تستطيع حصر المشكلة في تشغيلات محددة وسحبها بسرعة، بينما قد تضطر الشركة التي تفتقد البيانات إلى سحب نطاق أوسع من المنتجات وتحمل خسائر مالية وسمعة سلبية كان من الممكن تجنبها.

فرصة حقيقية أمام الشركات المصرية

الصناعات الغذائية المصرية تمتلك تنوعًا كبيرًا في المنتجات وقدرة إنتاجية متزايدة وخبرة ممتدة في التصدير إلى أسواق مختلفة، لكن تحويل هذه المزايا إلى نمو مستدام يحتاج إلى رفع مستوى الاستثمار في الشؤون التنظيمية والتتبع وتصميم الملصقات وإدارة البيانات.

المصدر المصري الذي ينظر إلى متطلبات السوق باعتبارها عبئًا إضافيًا سيظل ينافس بالسعر، بينما يستطيع المصدر الذي يحول الالتزام إلى ميزة تسويقية أن يبني ثقة طويلة المدى ويحصل على فرص أكبر مع المستوردين وسلاسل التجزئة والعلامات الخاصة.

المنافسة المقبلة لن تكون فقط بين منتج أرخص وآخر أعلى جودة، لكنها ستكون بين شركة تستطيع إثبات كل معلومة مكتوبة على عبوتها وشركة تطلب من السوق أن يصدق ما تقوله دون دليل.

المطلوب من المصانع

يجب أن تضم كل شركة غذائية تصدر أو تخطط للتصدير مسؤولًا واضحًا عن الشؤون التنظيمية، وأن تخضع الملصقات للمراجعة قبل الطباعة، وأن تُحدّث قواعد بيانات الأسواق بصورة مستمرة، وأن تربط بين إدارات الجودة والتصدير والتسويق والمشتريات بدلًا من عمل كل إدارة بصورة منفصلة.

كما تحتاج الشركات إلى إعداد ملف فني لكل منتج يضم التركيبة والتحاليل ومصادر الخامات وشهادات الموردين والادعاءات المسموح بها ونسخ الملصقات المعتمدة لكل سوق، بحيث لا تبدأ الشركة من الصفر عند كل صفقة جديدة.

العبوة التي تصل إلى رفوف المتاجر العالمية لا تحمل المنتج وحده، بل تحمل اسم المصنع وسمعة الصناعة المصرية وقدرة الشركة على احترام المستهلك وقواعد السوق، ولهذا أصبح الملصق الغذائي أحد أهم أدوات المنافسة والتصدير وليس مجرد مرحلة أخيرة تسبق الشحن.

عن كاتب المقال:
محمد متولي، رئيس تحرير Food Website